عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

79

اللباب في علوم الكتاب

[ الأنعام : 122 ] فقال : ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون ، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ، ولكن لا يشعرون [ يعني المشركين لا يعلمون من قتل على دين محمد صلوات اللّه وسلامه عليه حيّ في الدين ] « 1 » وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - يقتلون أنفسهم ، ويخسرون حياتهم ، فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ، ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء . وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال اللّه تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون : إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدّنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي : سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة ، وتفسير قوله : « أحياء » بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 - 14 ] ، وقال : أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] . وقال : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] وقال فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [ الحج : 56 ] . والقول الأول هو المشهور ويدل عليه وجوه : أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر كقوله تعالى : قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [ غافر : 11 ] ، [ والموتتان لا تحصلان إلا عند حصول الحياة في القبر ] « 2 » وقال اللّه تعالى : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] و « الفاء » للتعقيب . وقال : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضا ؛ لأن العذاب حقّ اللّه - تعالى - على العبد ، والثواب حق للعبد على اللّه تعالى . وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : « وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » معنى ؛ لأن الخطاب للمؤمنين ، وقد [ كانوا يعلمون أنهم ماتوا على هدى وكون أنهم ] « 3 » كانوا لا يعلمون ؛ أي أنهم سيحيون يوم القيامة . وثالثها : أن قوله تعالى : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ [ آل عمران : 170 ] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام أعوذ بك من عذاب القبر وقوله : القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران « 4 » .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) أخرجه الطبراني في « الأوسط » كما في « مجمع الزوائد » للهيثمي ، وقال : وفيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف . -